وصفة «سريعة» للتغلب على السرعة! أول الطريق للعودة إلى المسار السليم يتمثل في أن يسأل نفسه دائما حول كل شأن من شؤون حياته، لماذا أفعل هذا؟ وماذا أريد من ورائه؟

د. ساجد العبدلي

وصفة «سريعة» للتغلب على السرعة! أول الطريق للعودة إلى المسار السليم يتمثل في أن يسأل نفسه دائما حول كل شأن من شؤون حياته، لماذا أفعل هذا؟ وماذا أريد من ورائه؟

 

وتيرة الحياة اليوم، مع هذه التطورات التقنية الأخاذة، قد صارت مبرمجة على أن تحمل الإنسان للاندفاع بأقصى سرعة. كل شيء حولنا يغري بالسرعة؛ وسائل المواصلات والاتصالات والمطاعم، والإعلام وغيرها. هذا الاندفاع السريع، الذي نجد أنفسنا واقعين فيه، من أول ساعة في الصباح وحتى آخر دقائق قبل النوم، سرعان ما ينعكس سلبا على صحة الواحد منا، جسديا ونفسيا، بعدما يكون قد نال بشكل عكسي من علاقاته الاجتماعية، وقد لا ينتبه له إلا وهو ينهار.

وأكتب عن الأمر اليوم من باب التجربة الشخصية، فأنا، وأعترف بهذا، أعاني منه بين وقت وآخر، ولا أنتبه له أحيانا إلا عند الوصول لمرحلة فقدان السيطرة، حين تصبح الكرات التي كنت أقذفها في الهواء لألتقطها مجددا، كلاعب السيرك، خارج قدرتي على الاحتمال، فتبدأ بالتساقط. وأقول لكم بصراحة بأن الانتباه فقط عند بدء تساقط الكرات، ليس بالأمر الخالي من العواقب السيئة دائما.

والسبب الذي يجعل الإنسان يندفع غالبا في هذه العجلة السريعة دون توقف، هو أنه يفقد إدراك المراد من أهدافه ولماذا يسعى إليها أصلا. على سبيل المثال، يفقد إدراكه للسبب الذي يجعله يركض طوال يومه كالمجنون لجمع أكبر كم من المال، والذي هو بكل بساطة الاستقرار المالي، حين يكون قد فقد في ذات الوقت استقراره الأسري، ويفقد كذلك، إدراكه للسبب الذي يجعله في منافسة شرسة مع الآخرين للوصول إلى أعلى المناصب، حين يكون قد فقد في ذات الوقت أخلاقياته في التعامل ففقد احترام الناس له، وهكذا.

و[inlinetweet prefix="" tweeter="@drsajed" suffix=""]من المهم جدا، لذلك، أن يتوقف الإنسان عن الجري في هذه العجلة المجنونة، من وقت لآخر، حتى ولو لم يستشعر الخلل بشكل مباشر، ليعيد النظر في أموره فيقوم بترتيبها وإعادتها إلى مساراتها السليمة[/inlinetweet]، وأول الطريق للعودة إلى المسار السليم يتمثل في أن يسأل نفسه دائما حول كل شأن من شؤون حياته، لماذا أفعل هذا؟ وماذا أريد من ورائه؟ ولماذا أسعى له؟

سأقدم في السطور اللاحقة نصائح سريعة، بالمعنى المفيد لكلمة "سريعة"، وهي نصائح أحاول شخصيا تذكير نفسي بها دائما كلما صرت مأخوذا في عجلة الحياة المحمومة.

أولا، [inlinetweet prefix="" tweeter="@drsajed" suffix=""]لا تعمل أكثر ولكن اعمل بشكل أذكى[/inlinetweet]. هناك قاعدة شهيرة تقول إن 80% من إنتاج الإنسان راجع في الحقيقة إلى 20% من جهده. لذلك فمن المهم أن يراجع الواحد منا خريطة عمله وجهوده طوال اليوم، فيرصد تلك الأعمال والجهود التي تعطيه الثمرات الأكبر، ليركز عليها ويعطيها الاهتمام، وتلك الأعمال والجهود التي لا تنتهي لشيء يذكر، فينصرف عنها، أو يعطيها اهتماما أقل.

ثانيا، [inlinetweet prefix="" tweeter="@drsajed" suffix=""]كن حاضرا في اللحظة الحاضرة[/inlinetweet]. ليس كافيا أن يبطئ الإنسان من سرعة اندفاعه في الحياة، بل يجب أيضا أن يكون حاضرا فكرا ونفسا في اللحظة التي يعيشها. من الخطأ أن يستغرق الإنسان في التحسر على ما فات من أموره، وأنه لو كان فعل كذا لكان كذا، بل عليه فقط أن يتعلم الدرس مما كان بأسرع وقت ممكن ويمضي. ومن الخطأ كذلك أن يعيش القلق طوال الوقت مما سيكون، بل عليه فقط أن يجتهد ويعد العدة بقدر ما يستطيع، ويتوكل على الله وهو حسبه.

ثالثا، [inlinetweet prefix="" tweeter="@drsajed" suffix=""]انفصل لتتصل[/inlinetweet]. كلنا، ولا أستثني نفسي، ننشغل أغلب الوقت، بالعبث بأزرار هواتفنا الذكية، وأجهزة الكمبيوتر في مقار أعمالنا، ونظن أننا هكذا على اتصال مع العالم، في حين أننا في الحقيقة قد انفصلنا عن الناس الحقيقيين من حولنا، فخسرنا بذلك الكثير. نحن بحاجة إلى اتخاذ القرار "الذكي"، بإغلاق هذه الهواتف الذكية بين وقت وآخر، والاهتمام بالاتصال الحقيقي بالناس الذين نهتم بأمرهم حقا، وقضاء وقت حقيقي معهم.

رابعا، [inlinetweet prefix="" tweeter="@drsajed" suffix=""]لا تفقد إنسانيتك. في تلك اللحظات التي تكون فيها مع أولئك الناس الذين يعنيك أمرهم، كن معهم في الحقيقة.[/inlinetweet] كن حاضرا بفكرك ونفسك. أنصت لهم وتعاطف معهم. شاركهم اللحظات حقا، ولا تكن هائما بعقلك وقلبك في مكان آخر.

خامسا، [inlinetweet prefix="" tweeter="@drsajed" suffix=""]تخلص من قيود الحياة المدنية، والتي بمبانيها العالية وجدرانها الكثيفة وطرقاتها المترابطة، تخنق الإنسان من حيث لا يشعر[/inlinetweet]. اهرب من هذا السجن الكونكريتي كلما سنحت لك الفرصة، واذهب إلى الأماكن المفتوحة، واستنشق هواء نقيا خاليا من ملوثات عالم اليوم، وهناك أطلق العنان لنظرك ليذهب إلى أقصى ما يمكنه في مساحات الأفق.

سادسا، [inlinetweet prefix="" tweeter="@drsajed" suffix=""]تناول طعامك ببطء[/inlinetweet]، فأغلب الناس اليوم صاروا يلتهمون طعامهم التهاما، ويبتلعونه دون الاستمتاع بمذاقه ولا الانتباه لكميته، وذلك لانشغالهم حينها بالتفكير بشيء آخر، كحالتي. تناول الطعام ببطء، ناهيك عن أنه مفيد لتنظيم الوزن، هو تجربة ممتعة مفيدة للاستقرار النفسي.

سابعا، [inlinetweet prefix="" tweeter="@drsajed" suffix=""]تمهل واسلك طرقا جديدة[/inlinetweet]. يتعود الناس مع الوقت على ذات الشوارع التي يسلكونها للذهاب إلى أعمالهم ولقضاء أمورهم، فيواجهون ذات الاختناقات المرورية، ولذلك يتسابقون مع غيرهم للتغلب على هذه الازدحامات، ومن شأن هذا كله أن يزيد الضغط النفسي. اخرج لعملك باكرا، واسلك طرقا مختلفة، وقد سيارتك على مهل، واستمتع براحة البال.

ثامنا، تنفس بشكل صحيح. لو نظرنا لأغلب الناس من حولنا، لوجدنا أن تنفسهم ضحل جدا ومتسارع أو متقطع وكأنهم مطاردون، ومن شأن هذا بطبيعة الحال أن لا يوصل كمية الأوكسجين المناسبة لسائر أعضاء الجسم. لذلك فمن المهم جدا أن يعوِّد الإنسان نفسه على ممارسة التنفس العميق الهادئ طوال اليوم.

وأخيرا، [inlinetweet prefix="" tweeter="@drsajed" suffix=""]استمتع بالأشياء الصغيرة، فقد كشفت الدراسات السلوكية أن سعادة الإنسان لا ترتبط أبدا بالقيمة المادية للأشياء، وإنما بالقيمة المعنوية فيها[/inlinetweet]. مشهد الطبيعة الجميل والضحكة الصادقة والكلمة الطيبة، كلها قد تكون مصادر كبيرة من مصادر سعادة الإنسان، ولذلك فعليه أن يبحث عنها ويحرص عليها. هذه الأفكار، كتبتها لأذكر بها نفسي أولا، فأعيد ترتيب نظامي، وأشارككم بها هنا اليوم لعلكم تجدون فيها الفائدة أيضا، مع تمنياتي للجميع بالسعادة وراحة البال.

0 تعليق

أضف تعليق