مصالحة غير مشروطة!

د. ساجد العبدلي

مصالحة غير مشروطة!

يدور حاليا في بعض أروقتنا السياسية حديث عن اتصالات وتحركات لبعض الأطراف بهدف الوصول إلى ما يسمى بالمصالحة الوطنية غير المشروطة، وذلك ما بين السلطة والمعارضة، وعلى الرغم من إدراكي للدوافع الموضوعية التي قد تحرك أي طرف "صادق" للسعي إلى عقد مصالحة أو تهدئة ما، وهي التي يمكن لي أن أتصور أنها تتمثل في المقام الأول بالقلق من مستقبل البلاد المتجه إلى احتمالات تصاعدية خطيرة، وكذلك الشلل بل التدهور التنموي والاقتصادي المستمر، وغيرها من الجوانب السلبية بالغة الخطورة، أقول إنه وعلى الرغم من إدراكي لهذه الجوانب، فإنه يعسرني كثيرا أن أفهم مصطلح "المصالحة غير المشروطة" ناهيك عن أن أقبل به!
على مدى الأشهر الطويلة المتطاولة الماضية التي امتد بها الخلاف والصراع السياسي، ولا يزال، كانت قد وقعت أحداث كثيرة، سواء من قبل أو بعد تغيير هيئة وآليات الانتخاب، والتي انتهت بدورها إلى إنتاج ما صار يسمى شعبيا بمجلس "الصوت الواحد"، كالعديد من المسيرات والتظاهرات التي تم التصدي لها غالبا بالقمع والقوة والضرب، وجرت كذلك سلسلة من الاعتقالات والمحاكمات لنواب وناشطين ومغردين، وغير ذلك، ولا تزال الأحداث مستمرة.
لذلك عند الحديث عن "مصالحة وطنية غير مشروطة" فلا نجدنا في قدرة على فهم المقصود بذلك؛ هل المراد أن يعاد الوضع برمته إلى نقطة ما قبل ما حصل كله، وأن يتم إلغاء كل ما جرى، بما فيها "مجلس الصوت الواحد" وكأنه لم يكن؟ لا أعتقد ذلك أبدا، أم المقصود أن تنطلق المصالحة من نقطة جديدة تتجاهل الواقع معتبرة إياه وضعا قائما لن يتغير؟ أم ماذا على وجه الدقة؟
مصطلح المصالحة الوطنية غير المشروطة في حقيقة الأمر هو مصطلح انهزامي ساذج في ظل تتابع الأحداث المتزاحمة ووصولها اليوم إلى نقطة رفع سقف المطالبات الشعبية إلى مستوى المطالبة بالحكومة الشعبية المنتخبة والنظام البرلماني الحزبي الكامل بشكل صريح ودون مواربة.
وبالتالي فإن أي تنازل وقبول بهذه المصالحة الوطنية غير المشروطة هو وبكل بساطة تضييع لمكسبنا الرئيسي، والذي هو أن الحراك الشعبي اليوم قد صار يرفع بكل جرأة هذه المطالبة الطموحة العالية السقف.
نعم، أنا ممن كتبوا سابقا عن ضرورة الجلوس إلى طاولة الحوار ما بين السلطة والمعارضة، ولكن المراد دوما أن يكون الحوار حول هذه المطالبات لرسم خريطة وجدول زمني للوصول إليها ووضعها حيز التنفيذ بطريقة تحفظ للأسرة الحاكمة مكانتها وقيمتها تاريخيا ورمزيا وسياسيا، وتعطي في الكفة الأخرى للشعب حقوقه الدستورية الكاملة المتمثلة أساسا بأنه مصدر السلطات جميعا، وليس حول القبول بالأمر الواقع في مقابل التنازل عن القضايا والمحاكمات مثلا.
مسيرة الحراك الشعبي اليوم ليس لها سوى اتجاه واحد اسمه الحكومة الشعبية المنتخبة والنظام البرلماني الحزبي الكامل، وأي انحراف عن هذا الاتجاه في أي طريق آخر هو هزيمة على طول الخط، وأي مسمى "فهلوي" لهذه الهزيمة، كمسمى "المصالحة الوطنية غير المشروطة" ليس سوى خديعة لا يصح أن يقع بها الحراك المعارض أبدا.

0 تعليق

أضف تعليق