لماذا نقرأ الرواية؟

د. ساجد العبدلي

لماذا نقرأ الرواية؟

20131203-095925.jpg

كثيراً ما يسألني الناس: ما فائدة قراءة الروايات؟ أليس الأجدر أن يقرأ الإنسان كتاباً فكرياً أو ثقافياً أو علمياً عوضاً عن ذلك؟ أو أن أسمع أحداً يزدري قراءات شخص ما بأنه لا يقرأ إلا الروايات.
وسأقر بأن هذه الأسئلة قد تبدو وجيهة للوهلة الأولى، فما قيمة قراءة رواية بجانب قراءة كتاب في التاريخ أو الفكر أو أي من العلوم المختلفة، وما وزن قارئ لا يقارب إلا الروايات عند مقارنته بآخر يقرأ في التاريخ والفكر والعلوم وغيرها. نعم، هي أسئلة وجيهة للوهلة الأولى، ولكن للمسألة وجه آخر لابد من النظر إليه أيضاً.
لا يخفى على أحد اليوم بأن مستويات القراءة حول العالم ليست في أحسن حالاتها، وأن الوضع أسوأ بكثير في عالمنا العربي لأسباب متعددة، تبدأ من ركاكة المناهج الدراسية التي لا تزرع حب القراءة في نفوس أبنائنا، وتمر على ضعف صناعة النشر وتسويق الكتب، ولا تنتهي عند الواقع السياسي العربي القامع الذي لا يحبذ بطبيعته الاستنارة والمستنيرين ولا يدعم بل يقاوم ويكافح الوعي والثقافة الحقيقية.
وبالتالي فإن المنطق يستلزم منّا اليوم، والواقع ما رأينا، أن نقارن من يقرؤون بمن لا يقرؤون، حتى لو كان هؤلاء ممن يكتفون بقراءة الروايات فحسب. سيظل من لا يقرأ إلا الروايات، أفضل بكثير على ميزان القراءة والتثقف ممن لا يقرأ شيئاً البتة مكتفياً بتصفح شبكات التواصل الاجتماعي عبر هاتفه "الذكي"، وإضاعة بقية وقته في التسكع هنا وهناك.
نعم، أفهم تماماً أن نتمنى أن ينهل الناس جميعاً من أمهات الكتب وفي أعماق مصادر العلم والفكر والثقافة، ولكن من الضروري أن نراعي الواقع مدركين أن الناس في جلها لا تميل للقراءة أصلاً، والكتاب مهما بذلنا من الجهد في تجميل محتواه والإبداع في إخراجه والعناية بتسويقه، سيظل مثل لوح من رخام بارد عند مقارنته بأجهزة الهاتف الذكية والحواسيب اللوحية المحمولة كـ"الآيباد" وما يشابهه، وألعاب الفيديو والتلفاز، وهي التي استلبت بالضربة القاضية ألباب الناس وعقولهم، صغيرهم وكبيرهم، واستولت على سائر أوقاتهم، حتى صرنا لا نكاد نرى شخصاً في أي وقت من الأوقات إلا وعيناه معلقتان بشاشة من الشاشات، صغيرة كانت أو كبيرة. لهذا فأن نجد شخصا لا تزال قراءة الرواية تستهويه في ظل كل هذه الوسائل المنافسة، لهو شيء إيجابي وجميل في الحقيقة، ويمكن لنا، إن أصررنا، أن نعتبره خطوة أولى في طريق وصوله إلى قراءة كتب من ألوان معرفية أخرى، حتى لو طال زمان هذه الخطوة. المهم بالنسبة إلي أن هذا الشخص قد كسر حاجز النفرة من الإمساك وقراءة الكتاب الورقي، بغض النظر عن محتواه.
هذا من جانب، وأما من الجانب الآخر، فإن الرواية اليوم لم تعد مجرد حكايات وقصص سطحية ساذجة، فناهيك عن مقادير الحكمة والعبرة والمعاني الإنسانية التي صارت تشحن بها سطور الروايات، وهي القادرة على التأثير في نفس الإنسان وفكره، وتغييره إلى الأفضل، فإن كثيراً من الروايات تتخذ من الوقائع التاريخية والسياسية مسارح لأحداثها، فيتحصل من يقرؤها بالإضافة إلى الحكاية على جرعة معرفية وتثقيفية لا بأس بها، وهي جرعة لم يكن بالإمكان أن نقنعه، وهو الملول بطبعه أن يأخذها من كتاب تاريخي أو كتاب سياسي بحت.
الروايات الجيدة اليوم صارت تحوي بين جنباتها أكثر بكثير من مجرد الحكاية أو "الحدوتة"، وهي التي لو صيغت بشكل أدبي إنساني عميق، كشأن كثير من الروايات العظيمة، لكانت كافية بذاتها لأن تكون دافعا للدعوة إلى المواظبة على قراءتها.
العبرة يا سادتي ليست في كمية المعلومات والمعرفة الموجودة في أي كتاب، إنما في كمية الأثر الذي تحدثه من بعد ذلك في القارئ. صفحة واحدة، بل فقرة واحدة، بل ربما سطر واحد أو أقل من ذلك، من الممكن أن يكون عنصر التغيير الأكبر في حياة إنسان ما، وهذا العنصر من الممكن أن يوجد في أي كتاب... حتى لو كان هذا الكتاب رواية.

0 تعليق

أضف تعليق