لا يكتب الرواية إلا ساحر!

د. ساجد العبدلي

لا يكتب الرواية إلا ساحر!

 

Magic_Book_by_iLeeh95نشرت منذ أيام عبارة في تويتر قلت فيها إن (الروائي الناجح حكّاء ماتع ومعلم حكيم وساحر مدهش. جوانب ثلاثة لا يقوم منها اثنان دون الثالث)، وللتوضيح فهذه التغريدة قد جاءت من وحي مقالة مبهرة قرأتها للروائي الروسي المولد الأمريكي الجنسية، فلاديمير نابوكوف، في كتاب "داخل المكتبة خارج العالم"، وهو الكتاب الذي قام بجمع مقالاته وترجمتها الأستاذ راضي النماصي، ونابوكوف لمن لا يعرفه هو صاحب الرواية المثيرة للجدل (لوليتا) والتي كانت قد أعتبرت واحدة من أهم الأعمال الروائية عالميا في القرن العشرين.

الحكاية الماتعة، والعلم والحكمة، والسحر المدهش، مزيج أساسي لا غنى عنه كي تنجح الرواية وينجح راويها. شرط أساسي أن تكون الرواية حكاية ماتعة مشبعة بالوصف الأخاذ للشخصيات ولحركاتهم ولخلجات نفوسهم ولأبعاد المكان وأوصاف الزمان، تمسك بتلابيب قارئها من صفحاتها الأولى دون إبطاء. تلك "الادعاءات" الروائية التي تفتقر إلى القدرة على أسر القارئ إلى سطورها، وشد وثاقه وربطه بصفحاتها معلقا بالأسئلة عما سيحصل ويكون في الصفحات التالية، تلك الادعاءات الروائية التي تملأ نفس قارئها وتشبعها مللا واستثقالا، ليست روايات وإنما محض ركام من الأوراق الملوثة بالسخام الأسود، وأقل ما يقال عنها هو أنها شيء آخر، شيء مزعج ليس من جنس الرواية في شيء!

لكن الرواية - وحين أقول "رواية" فأنا أعني بالضرورة "الرواية الجيدة المستوفية للشروط"، لأن ما عدا ذلك من المحاولات والادعاءات ليست روايات – كنت أقول أن الرواية ليست مجرد حكاية ماتعة ووصف أخاذ، وإلا لصارت كل حكايات "العجائز" لأبنائهن في الأمسيات أعظم الروايات. الأمر أبعد من ذلك أيها الأصدقاء.

شرط أساسي أن يكون في الرواية نور من المعرفة وقبس من الحكمة، وحين أذكر المعرفة والحكمة هنا، فأنا أعني جواهرهما وشذراتهما من مختلف شئون الحياة ولا أشير إلى مجال بعينه بالتحديد. لعل الروائي يأتي بالمعرفة من أخبار الناس في الشرق أو الغرب أو أحوال المجتمعات والأمم في القديم أو الحديث، ولعله يجلب الحكمة من تجارب الناس، ممن عاصر أو لم يعاصر، أو من تاريخ الدول والحضارات التي درسها واطلع عليها، أو ربما تكون المعرفة من أصناف العلوم التي درسها، أو أن تكون الحكمة من بحار الفكر والفلسفة التي أبحر فيها وارتحل. لهذا فلا شك بأن الرواية تتطلب من كاتبها، إن كان مخلصا في عمله، عملا بحثيا دؤوبا مضنيا، قد يطول إلى شهور أو سنوات، شأنها في ذلك شأن الكتب التاريخية والعلمية والفكرية العميقة.

تلك الادعاءات الروائية التي يكتبها أصحابها في غضون أسابيع بسيطة أو شهور قليلة، بلا سابق من بحث ولا حصيلة مقنعة سابقة من التجربة أو المعرفة أو الحكمة، حتى وإن صيغت على هيئة حكايات ماتعة، فليست من الرواية في شيء، وحسبها أنها قصص مسلية لا أكثر.

لكن الرواية كذلك، ليست مجرد سطور حشدت بالمعرفة والعلوم والحكمة، وإلا لصارت الموسوعات وكتب التاريخ والفلسفة أفضل الروايات. لا يا أصدقائي، لا يزال الأمر أبعد من ذلك.

شرط أساسي أن تكتب الرواية بأسلوب أدبي مميز، وأن يستعمل الروائي لذلك لغة سليمة ملونة رشيقة فريدة، على أن لا يقع في فخ التقعر أو التعقيد أو التكلف بالاكثار من المحسنات اللغوية البديعية، فالرواية ليست لغزا لغويا يحتاج إلى نحوي عبقري ليفك طلاسمه، ولا أحجية لا تصلح إلا لفئة قليلة من الفلاسفة والمفكرين، وليست شعرا لابد فيه من الالتزام ببحور الأوزان ونظام القوافي. الرواية فرس فاتنة رشيقة تجري بفارسها عند مواطن الجري وتتهادى حيث مواطن الأناة والهدوء، تصعد به نحو الأعلى حيث القمة لتحبس أنفاسه تارة، وتنحدر به إلى السفح حتى يلتقط أنفاسه تارة أخرى. الرواية، بأبسط ما يمكن أن يقال عنها، هي السهل الممتنع.

تلك الإدعاءات الروائية التي تكتب بلغة تقريرية جامدة خالية من أي مقدار من التجميل اللغوي بدعوى التبسيط وعدم التكلف، وكذلك تلك "الأشياء" التي يكتبها البعض باللهجة العامية المتهتكة بدعوى التسهيل على القارئ للوصول إليه، ليست من الروايات في شيء، وحسبها أنها تقارير إنشائية في الحالة الأولى، وأحاديث سوقية مبتذلة في الحالة الثانية.

لكن الرواية أيضا، ليست مجرد سطور بديعة ملونة لغويا، وإلا لعدت كتب الشعر الحر والخواطر الأدبية من جنس الروايات!

مدار الأمر كله يدور حول السحر يا أصدقائي!

لا يكتب الرواية إلا ساحر... ساحر يمتلك القدرة على ضبط عيار وصفة على كفة ميزان شديد الدقة، وظيفته أن يوضع في وعائه الحساس نسيج متعة الحكاية ومقادير من خيوط المعرفة والحكمة وجرعات من ألوان اللغة والمحسنات البديعية على أن يحقن هذا جميعه بفرادة الأسلوب، ومن ثم يمزج ببراعة أخاذة، ليعطي من بعد ذلك تلك الوصفة السحرية التي يمكن حينئذ أن نسميها "رواية"!//

0 تعليق

أضف تعليق