قراءة في “الجزيرة تحت البحر”

د. ساجد العبدلي

قراءة في “الجزيرة تحت البحر”

فرغت بالأمس من قراءة رواية "الجزيرة تحت البحر" للكاتبة التشيلية المولد، الأميركية الجنسية، إيزابيل ألليندي (١٩٤٢) التي تبتديء بهذه العبارة:

الطبول تهزم الخوف، والطبول هي إرث أمي، إنها قوة غينيا التي في دمي. وعندئذ لا يجاريني أحد، أصير قوة خارقة

هذه الكلمات تجري على لسان بطلة الرواية، زاريتيه (تيتي)، العبدة التي باعتها وهي في التاسعة من عمرها مدام دوفان، في سان دومانغ، إلى عاهرة تدعى فيوليت والتي أرسلتها بدورها للعمل خادمة في بيت عشيقها الإقطاعي الفرنسي تولوز فالموران، المالك لواحدة أكبر مزارع قصب السكر في سان دومانغ.
وفي سان دومانغ كانت فرنسا تملك أغنى مستعمرة في العالم، حيث تُمارس أبشع أشكال العبودية في أميركا اللاتينية، فهناك كان يعيش أكثر من ٣٠ ألف شخص حر، ونصف مليون عبد أسود، وكان موت العبيد هو أسهل ما يمكن أن يحدث، لأن الاقطاعيين مزارعي القصب يستغلونهم أبشع استغلال حتى الموت، فإذا ما عاش العبد أربع أو خمس سنوات على الأكثر يكون قد حقق لسيده المردود المرجو.
الجزيرة تحت البحر هي غينيا الإفريقية، التي يحلم به العبيد وهم يرزحون تحت العذاب في المستعمرات، إنها ذلك الفردوس الذي تغادر إليه أرواحهم لتجد فيه السلام والطمأنينة بعد الوحشية البشعة التي عانوا منها طوال حياتهم. وهي الاستحضارالدائم، الذي جعل تلك الحياة المرة الأليمة محتملة لزاريتيه، بطلة هذه الرواية، إنها شابة عبدة من الكونغو تجعلنا نرى سان دومانغ منذ العام 1770 حتى العام 1793، قبل أن تتحول إلى هاييتي أو جمهورية الدومينيكان.
وعلى امتداد الرواية تنقضي أربعون سنة من حياة زاريتيه، تكشف خلالها ما مثله استغلال العبيد في الجزيرة في القرن الثامن عشر، وظروف حياتها ونضالها من أجل الحصول على الحرية.


وكسائر روايات الكاتبة الرائعة إيزابيل ألليندي، تأتي الرواية محتشدة بالكثير من الأحداث التاريخية، والكثير من التداولات الاجتماعية، وحوارات الذات، والحركة على مختلف المستويات النفسية، لذلك فمن يقرأ روايات هذه الكاتبة التشيلية المبدعة، يدرك دائما بأنه أمام أعمال تتجاوز بكثير الحكايات المتخيلة والمكتوبة دفقة واحدة، وأنها استندت إلى الكثير والعميق من العمل البحثي والتحضير الموسوعي لتجهيز موادها الخام.
تعد هذه الرواية تجسيداً حقيقياً لأسلوب الكاتبة الذى اكتسبته عبر عشرات الروايات وعلى مدار ثلاثين عاما من كتابة الرواية، الأمر الذى جعلها واحدة من أشهر الكاتبات باللغة الإسبانية حول العالم، وقد نالت شهرة واسعة بعد أن نشرت روايتها الأولى «منزل الأرواح» الذي نالت من خلاله شهرة واسعة، فضلاً عن صلة القرابة مع الزعيم التشيلي «سلفادور الليندي»، وللكاتبة العديد من المؤلفات مثل «أيفا لونا»، و«قصص ايفالونا»، و«لوحة السيبيا»، و«باولا»، و« في الحب والظلال»، وغيرها وترجم أغلبها إلى اللغة العربية.‏
بقي أن أشير إلى أن هذه الرواية الرائعة هي من ترجمة المترجم المتمكن دائما، الأستاذ صالح علماني، والذي هو من أبدع من قام بترجمة الأدب الإسباني إلى العربية.


‏ من الرواية نقرأ:

خلال سنوات عمري الأربعين، كنتُ أنا، زاريتيه سيديلا، محظوظة أكثر من عبدات أخريات. سأعيش طويلاً وستكون شيخوختي سعيدة لأن نجمي يُشع حتى عندما تكون السماء غائمة. أعرفُ متعة أن أكون مع الرجل الذي اختاره قلبي عندما توقظ يداه الكبيرتان بشرتي.

لقد أنجبتُ أربعة أبناء وحفيداً واحداً، وصار الأحياء منهم أحراراً. ذكراي الأولى عن السعادة تعود إلى الزمن الذي كنت فيه طفلة رضيعة معروقة العظم ومشعثة الشعر، وتتمثل في تمايلي على إيقاع الطبول، وهذه هي سعادتي الأحدث زمناً أيضاً، لأني ظللتُ في الليلة الماضية أرقص وأرقص في ساحة الكونغو بلا أفكار في رأسي، وجسدي اليوم حامٍ ومتعب.

الكتاب : الجزيرة تحت الماء- رواية. - المؤلف : ايزابيل الليندي. - ترجمة: صالح علماني- صادر عن دار - دال - دمشق في 479 صفحة.

استعانت هذه القراءة بالعديد من المصادر على شبكة الانترنت

0 تعليق

أضف تعليق