في الكويت، الكفاءات لا تستطيع أن تفعل شيئا!

د. ساجد العبدلي

في الكويت، الكفاءات لا تستطيع أن تفعل شيئا!

[caption id="attachment_2436" align="aligncenter" width="580"]passenger-ship-cargo-boat-sinking-retro_zJxEP3U__L سفينة غارقة[/caption]

في كل مرة يثور بين الناس خبر تخبط أو سوء إدارة أو فساد جديد في واحدة من مؤسسات الدولة، وهو الأمر الذي صار أشبه بالثابت في الصفحات الأولى من صحفنا المحلية مؤخرا، تنطلق بين أغلب هؤلاء الناس فكرة واحدة، وإن كانت تجيء بصيغ مختلفة، تارة على شكل تعليق مباشر، وتارة على هيئة تساؤل استنكاري أو على غير ذلك. تسمع البعض منهم يقول مثلا، لو تم تعيين الكفاءات لما رأينا هذا، أو أن يتساءل، لماذا لم يتم تعيين الكفاءات؟ أو أين الكفاءات؟ وما شابه.

والحق أن هذه الفكرة فكرة سليمة على طول الخط، فالرجل المناسب الذي يوضع في المكان المناسب، لطالما كان من العوامل الإدارية الأساسية لنجاح المؤسسات، سواء الحكومية أو الخاصة، على مر الزمان. نعم، الفكرة لا غبار عليها أبدا، لكن [inlinetweet prefix="" tweeter="" suffix=""]في كويتنا "العجيبة" ينقطع الخط عن الفكر السليم ويتوقف الزمن ويتراجع[/inlinetweet]، لأن الوضع مختلف جدا، وللأمر تفاصيل.

حزمة المناصب ومفاصل المسئولية ومواقع القرار عندنا، خرجت جميعها شيئا فشيئا خلال العقدين الماضيين من الدائرة المنطقية والموضوعية لتعيين الأكفاء الموثوقين ممن يمكن أن تعهد إليهم المسئولية الحيوية الكبيرة لقيادة وإدارة الدولة ومؤسساتها، لتتبعثر بين دوائر التعيينات السياسية الهادفة إلى شراء الولاءات والتقريب وتمرير الوساطات والتنفيع. ما عادت المناصب تمنح وفقا لمعايير الكفاءة والخبرة والنزاهة في المقام الأول، وإنما وفقا لمعايير القرب من السلطة والبعد عنها، وشراء ولاء فلان وكسب تأييد علان، واسترضاء زيد وتنفيع عبيد.

هذه الممارسة المحمومة التي جرت على مر سنوات ليست بالقليلة، أغرقت مؤسسات الدولة بمن تم تعيينهم وفقا للعبتها، ولن أقول معاييرها، السياسية المدمرة البعيدة كل البعد عن معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة، ابتداء من مناصب الوزراء ورؤساء الهيئات، نزولا إلى مناصب الوكلاء والوكلاء المساعدين ورؤساء الإدارات والأقسام ومن تحتهم، حتى تكونت لدينا مؤسسات دولة متعطلة يديرها فريق من البيادق التي همها الأول والأخير أن تعمل على استمرار بقائها وتحقيق منفعتها الشخصية، من خلال تمرير وساطات من كان لهم الفضل في تعيينها، وتنفيع المقربين منها، وكل ذلك على حساب قيامها بدورها المفترض من موقع المسئولية بحكم منصبها القيادي.

أحيانا، إما في غفلة من محركي اللعبة السياسية، أو لأن يكون الاسم المطروح للتعيين، للأسباب السياسية التي ذكرت، حاملا في ذات الوقت لشيء من معايير الكفاءة، وهذا قد يحصل أحيانا، يتم تعيين بعض الأكفاء في مناصب ومواقع هامة في مؤسسات الدولة، ليجدوا أنفسهم وقد وقعوا في فخ من الرمال المتحركة التي لا طاقة لهم للخلاص منها.

الفخ هو أن لا أحد من المسئولين في مؤسسات دولتنا يمتلك صلاحيات حقيقية وموارد كافية في موقعه القيادي، وإنما يخضع الجميع، بلا استثناء، لشبكة معقدة نتنة من الإملاءات السياسية وتدخلات النافذين وأعضاء البرلمان والضغوطات التي ستمارس عليهم من داخل وخارج مؤسساتهم.

تخيلوا معي هذا المشهد، صاحب كفاءة يوافق على أن يقبل بالمنصب، أو يتم تعيينه فيه كجزء من المحاصصة السياسية مثلا، ويقبل بالفعل حاملا رغبة حقيقة على تحمل المسئولية والعمل الصادق وعمل شيء ما على سبيل المعالجة والاصلاح والتطوير، ليجد نفسه فاقدا لحرية اتخاذ القرارات التغييرية الحاسمة لأنها بكل بساطة ستمس مصالح النافذين الضاربة جذورها في عمق تربة وزارته أو مؤسسته، وغير قادر على تصحيح الأخطاء لأنها ستطال شخوص ودوائر نفوذ أصحاب المناصب في وزارته أو مؤسسته من المعينين والمسنودين سياسيا والملتصقين بكراسيهم منذ الأزل، وعاجزا عن القيادة الفعلية تحت وطأة ما سيجري إغراقه به من أمواج البيروقراطية العاتية، وهي التي ستضربه ليل نهار من كل اتجاه. هذا الواقع كفيل بأن يقضي على كل صاحب كفاءة، لينتهي به إما إلى الهروب والخروج من هذا الفخ البئيس، أو الخضوع والخنوع والتحول إلى مجرد موظف خامل آخر، ولكن بمنصب رفيع وراتب عال.

تلك النماذج القليلة التي حاولت التمرد على هذا الواقع تم إخراجها وإقالتها أو "نفيها" سريعا إلى مناصب أخرى غير ذات تأثير!

هذا الواقع، دفع بأصحاب الكفاءة إلى رفض تسنم المناصب القيادية في مؤسسات الدولة، ليقينهم بأنهم لن يستطيعوا تغيير أي شيء حقيقي، وأن هذه المناصب لن تكون سوى محرقة لمهاراتهم وطاقاتهم وطموحاتهم، وآثروا أن ينصرفوا إلى أعمالهم الخاصة، إما على الصعيد الأكاديمي أو التجاري.

أضحيت أؤمن اليوم عميقا بأن صاحب الكفاءة الذين يقدم على قبول المناصب "الرسمية" تحت مظلة واقعنا الحكومي الحالي، هو واحد من اثنين. إما صاحب كفاءة طموح صادق، يظن بأنه سيستطيع عمل شيء، وهو في الغالب واهم مخدوع، سينتهي إلى الفشل والتحطم على صخرة الواقع الذي لن يرحمه ولن يأبه لكفاءته ولن يكترث لطموحه وصدقه، وإما صاحب كفاءة، قرر أن يتنازل عن هذه الكفاءة ليشارك في المولد حتى يأكل شيئا من الحمص، قبل أن يأكله الآخرون!

يا سادتي، إن واقع مؤسساتنا الحكومية اليوم قد وصل إلى ذلك الحد من الترهل والدمار والفساد الذي باتت "تستحيل" معه كل محاولات الإصلاح عبر مجرد وضع كفاءات هنا أو هناك، دون أن يؤازر هذا إرادة قيادية عالية حقيقية تريد الإصلاح، ودون أن يكون معه تفويض كامل وصلاحيات مطلقة وموارد مادية وطاقات بشرية نوعية كبيرة. لا أقولها شاؤما ولا سوداوية، بل أقولها بكل موضوعية من واقع ملامسة التجربة على الأرض ودراستها عميقا عبر سنوات ليست بالقصيرة.

الكويت سفينة تمتلئ أرضيتها بالثقوب الراعفة، التي أحدثها بها أبناؤها، قصدا وجهلا، بالإهمال والعبث والفساد. سفينة في بحر إقليمي عاصف على كل المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، تغرق شيئا فشيئا، وركابها لا يزالون مستغرقين في إهمالهم ولهوهم وعبثهم وفسادهم دون ذرة من وعي حقيقي أو قليل من إدراك للمصير المأساوي الذي ينتظر الجميع، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

0 تعليق

أضف تعليق