عالم وسائل التواصل الاجتماعي يشوبه الزيف، وحرية التعبير بريئة من الإساءة والاعتداء على الآخرين

د. ساجد العبدلي

عالم وسائل التواصل الاجتماعي يشوبه الزيف، وحرية التعبير بريئة من الإساءة والاعتداء على الآخرين

خاص: حوار بوست
 

لماذا يتحول الحوار إلى جدال ويصل أحيانا إلى العنف الجسدي بتبادل الضرب بالأحذية، ناهيك عن عبارات التخوين والطعن بالنوايا، حتى أصبحنا معتادين على مشاهدة صراع الطاولات والكراسي والعبارات البذيئة في القنوات والبرلمانات العربية..

يرى د. ساجد بن متعب العبدلي الكاتب والمتخصص في الطب المهني والاستشارات المهنية، أن سبب ذلك هو فقدان المتحاورين لأدبيات الحوار، وقبل ذلك أن أحدا منهم لم يتعلم أو يتربى على ثقافة وقيم الحوار، ملقياً باللوم على الأنظمة التعليمية والتربوية العربية التي لا تغرس هذه المبادئ في الجيل الجديد من خلال مختلف الوسائل عبر مختلف الوسائط، وفي لقاءه مع “حوار بوست” يرفض العبدلي استخدام ذريعة حرية التعبير للإساءة للآخرين أو الاعتداء أو التحريض عليهم، أو لهتك الستر وإشاعة السوء بشتى أشكاله، لأنها بذلك تخرج عن إطار الحرية أصلا، وتصبح شيئا آخر لا يمكن لنا أن نطلق عليه حرية تعبير، وإلى نص الحوار:

social-media-icons-globe

أصبحنا نشاهد جدالا يتحول إلى شجار وضرب بالأحذية في القنوات والبرلمانات، إضافة لعبارات التخوين والطعن بالوطنية والدين! برأيك لماذا يفشل بعضهم في تبني أسلوب الحوار الفعال الهادئ؟ وهل الغاية تبرر الوسيلة؟

الحوار الهادئ الفعال، علم وفن وثقافة، وكل علم وفن وثقافة يحتاج إلى كثير من التعلم والتدرب والمران، ولا يمكن للإنسان أن يكتسبها دون أن يعمل على ذلك بوعي وإدراك وقصد. لذلك عندما ترى شخصا يفتقر إلى مثل هذ الملكات، فالسبب بكل بساطة أنه لم يتعلم ولم يتدرب ولم يتربى على ذلك، لذلك يفقد السيطرة على زمام أعصابه وتخونه نفسه في الحوارات التي يجد فيها تحد لقناعاته وما يؤمن به من قضايا وأفكار.

عجزت الثقافة العربية عن إشاعة أدب وفن إدارة الخلاف! لماذا؟

كما ذكرت في إجابة السؤال السابق، الأمر لا يأتي هكذا، بل هو بحاجة إلى تعليم وتدريب، ولذلك فالملام في مسألة انعدام أدب الحوار وفن إدارة الخلاف، هو الأنظمة التعليمية والتربوية السائدة في عوالمنا العربية. نحن بحاجة إلى ثورة تصحيحية طويلة الأمد تعمل على غرس هذه المبادئ في الجيل الجديد من خلال مختلف الوسائل عبر مختلف الوسائط، وأن نصبر لزمن قد يطول حتى نبدأ بقطف الثمار الإيجابية.

في خضم ظاهرة وثورة الإعلام الاجتماعي، أصبحت حرية التعبير أمرا سلبيا حتى طالب بعضهم بحجب وإغلاق هذه المنصات الإعلامية، متى تكون حرية التعبير والمشاركة في الرأي ظاهرة إيجابية، ومتى تكون العكس؟

حرية التعبير أمر إيجابي على طول الخط، ولا يمكن اعتبارها أمر سلبي أبدا. لكننا عندما نقول ذلك، فلابد أن نتذكر القاعدة الثابتة دوما عند الحديث عن كل أنواع الحريات، والتي تقول: “حريتك تتوقف عند حدود حريات الآخرين”. المراد هنا هو أنه عندما تستخدم ذريعة حرية التعبير للإساءة للآخرين أو الاعتداء أو التحريض عليهم، أو لهتك الستر وإشاعة السوء بشتى أشكاله، تخرج عن إطار الحرية أصلا، وتصبح شيئا آخر لا يمكن لنا أن نطلق عليه حرية تعبير.

الكذب والغيبة والكلام البذيء والكلام الفظ الغليظ، كلها من آفات اللسان التي تكاد لا تفارق المجالس والشوارع اليوم، وفي المقابل وعند تصفح الإنترنت تجد أحيانا مدينة فاضلة من المواعظ والنصائح والكلمات الجميلة، برأيك لماذا يتناقض الواقع الافتراضي مع الحقيقي؟

لا يمكن لي أن أضع يدي على سبب محدد لهذا، فالناس مشارب شتى، وكل شخص يمارس مثل هذا الفعل هو في الحقيقة كون من العوامل المتقاطعة والمتفاعلة والمتراكبة التي قادت في النهاية إلى جعله على ما هو عليه. لكن وبشكل عامـ فالإنترنت، وبالأخص عالم وسائل التواصل الاجتماعي، هو عالم يشوبه الزيف في كثير من مناحيه بسبب طبيعته المنفتحة المتقبلة لأي شيء دون تمحيص أو تحقق، ولذلك يقوم الكثير من الناس بارتداء الأقنعة الجميلة والفاضلة متى ما شاءوا، ورميها متى ما انتهوا منها.

كتبت “27 خرافة شعبية عن القراءة”، وهو عنوان الكتاب أيضا، ولكن هناك خرافة لم تتطرق إليها وهي أن القراءة ليس لها مردود على الجانب الاتصالي والحواري مع الآخرين في العالم الحقيقي؟ ما رأيك؟

بالفعل، هذه من الاعتقادات الشائعة بأن القراء ينعزلون عن العالم من حولهم، ويميلون للانطوائية، ولكن الحقيقة عكس ذلك تماما. في دراسة أعدتها جامعة بافالو ونشرت في مجلة العلوم النفسية الأمريكية في العام 2011م، طُلب من 140 طالباً قراءة مقاطع ذات بعد اجتماعي من إحدى الروايتين الشهيرتين “الشفق” و”هاري بوتر وحجر الفيلسوف”، ومن ثم الخضوع لتمارين وأسئلة متعلقة بترابط الكلمات ودلالاتها، بغية تحديد ما إذا كان المشاركون قادرين على تمييز العالم الخيالي الذي قرأوا عنه للتو. اكتشف الباحثون أن الطلاب قد تطور لديهم حسّ الانتماء والارتباط الإنساني، كما اكتشفوا أيضاً أن هذا الحسّ كان قوياً تماما كالحسّ المكتسب من الانتماء والتفاعل في الواقع مع المجتمع الحقيقي، الأمر الذي مكنهم من تعزيز قدراتهم الاتصالية والحوارية في العالم الحقيقي.

يوما بعد يوم تكبر القناعة التي تقول أن تويتر ليس مكانا للنقاش العميق، بل لتبادل الأخبار والتجارب والقصص اللطيفة! ما تعليقك؟

أؤمن بهذا عميقا وأمارسه طوال الوقت. طبيعة تويتر، المقتصرة على الرسائل ذات المئة وأربعين حرفا، تجعله منصة لإطلاق الأفكار والأخبار القصيرة. من يحاول أن يطلق موضوعا طويلا عميقا موزعا على رسائل عدة، يفترض بأن جمهور المتلقين سوف يتابعونه من البداية وحتى النهاية، وسوف يلتزمون بتكاملية الموضوع، وهذا أمر غير صحيح على طول الخط، ولطالما أوقع الكثير من المغردين في المشاكل الناتجة عن سوء الفهم. كما أن محاولة الدخول في النقاش والحوار مع المغردين حيال موضوع قام بطرحه، سيجد نفسه وقد انتهى في لعبة تراشق للتعليقات والعبارات مع عشرات المتابعين الذين سيشاركون في هذه اللعبة، ولا يمكن أبدا أن نضمن كون هؤلاء جميعا من مستوى حواري متزن ومن ثقافة راقية، وحتى لو ضمنا ذلك، وهو المستحيل، فلا يوجد بشر قادر على التحاور مع عشرات الأشخاص في ذات الوقت. لذلك سأظل أقول بأن تويتر لم يجعل لمثل هذا.

الطب الوظيفي أو المهني يساعد الناس في تحسين قدراتهم على تنفيذ مهام الحياة اليومية والعمل، ولكن هل لفن الاتصال والحوار دور في هذا الجانب؟ وخاصة فيما يتعلق بالتنمية البشرية والتعامل مع ضغوطات العمل والحياة والتواصل مع الآخرين!

بالطبع، ودون أدنى شك. فن التواصل ومهارات الحوار المتقدمة، هي من أهم مرتكزات الذكاء العاطفي، والذكاء العاطفي بدوره هو من أهم مرتكزات الصحة المهنية الجيدة. من يتمتع بهذه المهارات يمكنه إلى حد بعيد أن يحسن إدارة حياته العملية والاجتماعية والتعامل مع الكثير من مسببات الضغوطات من حوله.

كتاب “كلمة وكلمتين” يبحث في جوهر النجاح والسعادة في الحياة، متى يكون التواصل مع الآخرين سببا للنجاح والسعادة ومتى يكون العكس؟

التواصل الجيد مهارة مهمة كما ذكرنا، وهي كفيلة بإنجاح كثير من علاقات الانسان في عمله وأسرته ومجتمعه، لكن من متطلبات الاتصال الجيد أن يتمتع الانسان بالقدرة على تمييز الراغبين بالاتصال من الرافضين. لابد أن يكون الطرف الآخر على درجة مقبولة من الرغبة في أن يدخل في تواصل معك للوصول إلى نجاح العلاقة. ولهذا يجب على الإنسان أن يتعلم كيف يميز بين تلك العلاقات المفيدة في حياته، وتلك العلاقات المدمرة التي ستقوده إلى الشقاء. يستثمر في الأولى ويهجر الثانية ويبتعد عنها.

يقول الشاعر الأميركي رالف إيميرسون “لكل دقيقة واحدة من الغضب، فإنك تخسر ستين ثانية من السعادة”، لماذا يصر بعضهم على الجدل والغضب والضغينة في تويتر بينما هو ميدان جميل لتبادل الأفكار الإيجابية والنقد بأدب واحترام؟

مرة أخرى سأقول إن الناس مشارب شتى، وكل واحد من هذه المليارات السبعة التي تعيش على هذه الأرض هو كون مستقل بذاته، له نوازعه ورغباته وأفكاره وتفاعلاته. عالم تويتر هو نموذج مصغر من هذا العالم الذي نعيش فيه، ولذلك ستجد أن لكل شخص فيه أسبابه في النزوع إلى الغضب والجدل والإساءة. البعض ينفس عن مشاكله الاجتماعية، والبعض يظن أن ينتصر لقضاياه بهذه الطريقة، والبعض الآخر مصاب بعقدة نفسية، وغيرهم وغيرهم.

0 تعليق

أضف تعليق