شوربة... طعام، وصلاة، وحب!

د. ساجد العبدلي

شوربة... طعام، وصلاة، وحب!

تخيلوا شوربة!
شوربة غنية كثيفة مليئة بالمكونات اللذيذة... تخيلوا شوربة ثمار البحر مثلا، وهي تلك الشوربة الثقيلة التي تمتلئ بقطع السمك والروبيان وأشياء بحرية أخرى... تخيلوا هذه الشوربة في قدر كبير، ثم بدأ شخص ما بغرف كل محتوياتها وإزالتها بمغرفة كبيرة، فلم يُبقِ فيها إلا الفتات، ثم صار يضيف إلى القدر ماءً... كثيرا من الماء، وقال لك بعدها تفضل!

مقدمة "الشيف رمزي" هذه، هي بالضبط ما حصل مع رواية "طعام، صلاة، حب" عندما جرى تحويلها إلى فيلم. ولي مع هذه القصة قصة!

كنت بدأت منذ فترة في قراءة الرواية قبل أن تسنح لي الفرصة لمشاهدة الفيلم، وهذا من حسن ظني، فلو كنت شاهدت الفيلم أولا لكنت فقدت الشهية والرغبة بقراءة الرواية ولا شك. وطوال فترة قراءتي واستمتاعي بما أقرأ، كنت أتابع التعليقات ممن حولي حول الفيلم، وأستغرب من أن أغلب من شاهدوه وجدوه باردا ثقيلا وغير عميق، خصوصا وأني كنت قرأت كيف أن كاتبة الرواية إليزابيث جيلبرت قد أشادت به، وبأداء جوليا روبرتس في تجسيد شخصية البطلة بشكل متقن! وعندما وصلت إلى أكثر من ثلاثة أرباع الكتاب، سنحت لي الفرصة لمشاهدته على الفيديو بعدما كان قد توقف عرضه في صالات السينما، فإذا به فعلا، وسأقولها هكذا بلا تحفظ أو تزويق، كارثة وخيبة، ذكرتني بكارثة وخيبة مشاهدتي لفيلم "شيفرة دافينشي" منذ عدة سنوات من بعد قراءة تلك الرواية المذهلة!


كانت صدمة جعلتني أتساءل عن سبب فرحة إليزابيث جيلبرت بهذا الفيلم "الخائب"، اللهم إلا سعادتها الطفولية، ربما، بفكرة أن جوليا روبرتس هي من قامت بتمثيل شخصيتها!

لكنني الآن وأنا أتذكر هذه القصة، فلا أدري كيف تخيلت أصلا أنه سيمكن تحويل تلك الرواية الشائقة، متعددة المستويات النفسية، والمحتشدة بالحوارات الذاتية، والاسقاطات الروحانية العميقة، والتفكرات الميتافيزيقية، ناهيك عن ذلك الغنى البصري والسمعي والحسي الذي حفلت به تنقلات بطلة الرواية من أمريكا إلى إيطاليا إلى الهند ثم أخيرا إلى إندونيسيا، أقول كيف تخيلت ولو للحظة واحدة أن من الممكن تحويل كل هذا الزخم الساحر، إلى فيلم سينمائي بسهولة!

مرة أخرى، لن تكون الأخيرة بحال من الأحوال، يثبت بالدليل القاطع أن تحويل رواية ناجحة إلى فيلم سينمائي ناجح ليس بالأمر الهين، وأنه علم ومهارة وفن بحاجة إلى قدرة رفيعة من طراز خاص، ليست متاحة إلا لقلة قليلة من أهل صناعة السينما، وأن حتى هؤلاء، وفي أحسن حالاتهم، سيعجزون كثيرا، مهما فعلوا، عن مضاهاة روعة تلك الثمرة الإنسانية السحرية التي يضعها الكاتب المبدع وديعة الأوراق، ليقطفها غضة طرية قارؤها المتشوق.

---
نشرت هذه المقالة في جريدة القبس الكويتية الصفحة الثقافية

0 تعليق

أضف تعليق