حتى يصح التفاؤل!

د. ساجد العبدلي

حتى يصح التفاؤل!

يتكرر الأمر كثيرا، فكلما وجهت انتقادي لجهة ما أو أشرت إلى خلل أو اضطراب في إحدى مؤسسات الدولة، وجدت من يرد علي بكلمة "تفائل". التفاؤل ولا شك أمر محمود، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يعجبه الفأل الحسن، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، لكن للمسألة تفصيلا مهما لابد من الوقوف عنده وتوضيحه.

[inlinetweet prefix="" tweeter="" suffix=""]التفاؤل في معناه العميق ليس مسلكا كلاميا إنشائيا فحسب[/inlinetweet] وإنما هو منهج فكري عملي في الأساس، وأعني بذلك أن التفاؤل لا يمكن أن يصح منطقا وموضوعا بمجرد أن يقول الشخص بأنه متفائل أو أن نفسه مرتاحة تجاه هذا الأمر أو ذاك وأن "القادم أجمل"، بل يجب أن يقوم تفاؤله على فعل وعمل من ناحيته ودلالات وعلامات لما هو أمامه.

في القصة المشهورة التي وردت في الترمذي عن ذلك الأعرابي الذي ترك ناقته سائبة ودخل المسجد يصلي، فقيل له لم تركتها سائبة، قال توكلت على الله، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: اعقلها وتوكل، أي أربطها وتوكل، دليل على أن التفاؤل بحصول الخير لا يستقيم ما لم تبذل الأسباب وتتحرك عجلة العمل وبذل الجهد، حتى يكون هناك أسس موضوعية يستقيم عليها حصول هذا الخير، ولو كانت بسيطة، وهذا هو صميم معنى التوكل على الله والذي هو أساس فكرة التفاؤل. هذه المسألة تدركها حتى الطيور، ولذلك لا نراها قابعة في أعشاشها متفائلة بحصول الخير ومجيئه إليها، وإنما تطير وتنتشر وتغدو وتروح، ولهذا أمرنا نبينا عليه الصلاة والسلام باتخاذها الطير مثلا حين قال: "لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما يُرزق الطير تغدو خماصاً، وتروح بطاناً". وللفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه مقولة شهيرة جاء فيها: "لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، إنما يرزق الله الناس بعضهم من بعض"، وهذه أيضا إشارة واضحة إلى أن [inlinetweet prefix="" tweeter="" suffix=""]التفاؤل لا يصح مع القعود[/inlinetweet]، لأنه حينها سيكون تمنية فارغة للنفس بأن السماء ستمطر ذهبا وفضة وهذا من الحماقة وخداع الذات.

ذات الفكرة تنسحب على شأننا السياسي والإداري والمجتمعي. عندما نرى فسادا واضطرابا وخللا ضاربا في مؤسسات الدولة فنشير إليه بصراحة ومباشرة دون مواربة أو مجاملة، ونقول بعدها أن الحكومة بائسة فاشلة عاجزة، فليس هذا نقيضا للتفاؤل الصحيح القائم على الدلالات والعلامات على الإطلاق، بل هو من صميم التوكل في أننا نحاول القيام بشيء عبر الكتابة من موقعنا وفقا لاستطاعتنا.

وفي المقابل فإن ما نراه اليوم من حكومتنا هو أبعد ما يكون عن "التوكل" بمعناه السليم، فلا خطط سديدة ولا إدارة رشيدة ولا تطبيق حازم للقوانين، بل تركت أمور البلاد والعباد نهبا للظروف ولمعالجات ردود الفعل والتعامل الانفعالي مع الأزمات الطارئة كلما حلت ولا حياة لمن تنادي، وإدارة كهذه لا تقيم صُلب دولة ولا تصح أود بلد، ناهيك عن أن تدعو للتفاؤل، وقصارى الحال كحال ذاك الأعرابي الذي ترك ناقته سائبة وقال توكلت على الله، بل الأمر أسوأ.

نعم، أقر بأن الكتابة الصحفية والكلام الإعلامي، وما شابه، للإشارة إلى مواطن ومواضع تدهور الدولة تحت قيادة هذه الحكومة ليست كل ما هو بالإمكان، بل هناك الكثير مما هو ممكن غيرها، ولكنها تظل جزءا مهما من الكل الذي لابد أن يتحرك ويدور جميعا على كل مستوى سعيا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

0 تعليق

أضف تعليق