الذئبين المتصارعين في صدري!

د. ساجد العبدلي

الذئبين المتصارعين في صدري!

يعتبر موروث الهنود الحمر، سكان أميركا الأصليين، واحدا من أغنى الموروثات الإنسانية، بالرغم من المحاولة الأميركية المعروفة، ومكشوفة الأهداف، سواء من خلال الأدب المكتوب أو من خلال الأفلام السينمائية والتلفزيونية، والتي حاولت جاهدة، ولعلها أفلحت في ذلك كثيرا، تصوير هؤلاء البشر على أنهم قطعان من الهمج الأشرار الذين كان لا بد من غزو أرضهم، والاستيلاء عليها لإعمارها، وتخليصها من شرورهم.

وقد راق لي خلال الأيام الماضية، لسبب من الأسباب، أن أبحث عبر الانترنت، عن هذا الموروث الهندي الثري، لأقرأ فيه، فوقعت على الكثير من المصادر والمواد، التي تستحق الوقوف والتأمل والتفكر فيها. ومن بديع ما وقعت عليه قصة من تراث هنود الشيروكي، والذين هم أبناء واحدة من أكبر ثلاث قبائل من سكان أميركا الأصليين . تتحدث القصة عن شيخ هندي كبير كان جالسا مع حفيده، فقال له: هناك صراع في داخلي يا بني. صراع رهيب بين ذئبين. أحدهما ذئب شرير، هو ذئب الغضب والحسد والحسرة والغيرة والندامة والجشع والغرور والدناءة والكذب والتعالي والشعور بالمرارة. والذئب الآخر ذئب طيب، هو ذئب السعادة والسلام والحب والاطمئنان وراحة البال وهدوء النفس والأمل والتواضع والعطف والكرم والصدق والإيمان والإحسان. وهذا الصراع الدائر المستمر بين هاذين الذئبين يدور في داخلك أنت أيضا يا بني، وفي داخل كل إنسان آخر.

صمت الحفيد لبعض من الوقت، وهو يفكر فيما قاله جده، ثم قال: وأي الذئبين هو الذي سينتصر يا جدي؟ فنظر إليه الجد الحكيم، وقال: سينتصر الذئب الذي تطعمه أكثر!

حين قرأت هذه القصة، أحسست برعشة سرت في جسدي كتيار كهربائي، بعدما ضربت على وتر كان مشدودا في نفسي حينها.

السؤال الأزلي المطروح، من هو الذي في أسر الآخر؟ هل عواطفك أسيرة لأفكارك؟ أم أن أفكارك هي أسيرة عواطفك؟ من الذي يسيِّر الآخر؟!

ليس في هذا السؤال أية فذلكات فلسفية، فليس الأمر على غرار أيهما الذي يسبق الآخر، البيضة أم الدجاجة؟، ولكنه في الحقيقة سؤال واقعي، إجابته مهمة جدا لكل إنسان يريد السيطرة على مجريات حياته التي جعلها الله بيده.

يعتقد أكثر الناس بأن عواطف البشر هي التي تسير أفكارهم، وهذا الكلام صحيح إلى حد ما، بل إن علوم التنمية البشرية تقول بأن الإنسان يتخذ قراراته على أساسات عاطفية، ثم يبحث لهذه القرارات عن حجج عقلية تدعمها، فمثلا يشتري الإنسان السلعة الفلانية، سيارة مثلا، لأنه عشقها وأغرم بها، قبل أن يكون مقتنعا بأنها اقتصادية ذات كفاءة عالية وقوة محرك ممتازة، وهكذا، ولهذا السبب ينشط علم التسويق غالبا في إثارة عواطف الناس قبل إثارة عقولهم.

لكنني، بالرغم من هذا، أؤمن بأن العاطفة لا يمكن أن تنشأ من العدم، وإلا صارت كالغريزة الحيوانية المنفلتة عن كل رابط وضابط، أو لصار الإنسان مخبولا لا يملك زمام أفكاره ونفسه. إن العاطفة، أيا ما كانت، تنشأ حتما نتيجة لفكرة ما، إلا أن مقدار نضوج هذه الفكرة، هو الذي يحدد شكل وطبيعة العاطفة الناتجة عنها.

أحرص دائما على أن أستحضر تلك المقولة التي تقول بأن الإنسان أسير لعواطفه، وأن عواطفه أسيرة بدورها لأفكاره، لذلك عليه أن يراقب هذه الأفكار دوما، وكذلك أردد دائما تلك المقولة الشهيرة الصادقة جدا: راقب أفكارك لأنها ستصبح كلماتك، وراقب كلماتك لأنها ستصبح عاداتك، وراقب عاداتك لأنها ستصبح شخصيتك، وراقب شخصيتك لأنها ستصبح مصيرك.

من المهم أن يحكم الإنسان وثاق عواطفه، وأن يمسك بزمام ذلك الذئب الشرير المسعور في داخله حتى لا ينطلق فيدمر كل شيء جميل، قد لا يمكن إصلاحه بعد ذلك. من الضروري أن يراقب الإنسان بذور الأفكار وهي تنثر، بيده أو بيد غيره، في تربة نفسه، ويراقب نموها، فيقتلع الضار منها قبل أن يكبر، ويتعاهد الجيد منها بالرعاية والحماية حتى ينمو ويستوي، فيثمر عواطف جميلة ناضجة وإنجازات صالحة طيبة له ولغيره.

لكن الأخطر حقا، عندما يكون الذئب الشرير الذي يعتمل في صدر الإنسان، محكوما بيد إنسان آخر، حينها سيصبح المرء عبدا لغيره، يلعب به ويسيره كيف يشاء، ويضحي لا يملك قرار نفسه، ولا يدير من أمره شيء.

لهذا السبب كان مهما جدا أن يراقب الإنسان منشأ عواطفه، ويرصد الأفكار التي أشعلت شرارتها، وينتبه لمصادرها، وكيف توالدت في داخله ومن الذي جاء بها إلى عقله، وأن يتذكر دائما أنه هو الذي يسيطر في النهاية على الذئبين المتصارعين في نفسه، فهو الذي يطعمهما، وهو الذي سينصر أحدهما على الآخر حين يرعاه أكثر، كما علم ذلك الحكيم الهندي حفيده، قبل مئات السنين!

0 تعليق

أضف تعليق