التحليل الفيزيائي للكلام، والوقوع على ما وراءه!

د. ساجد العبدلي

التحليل الفيزيائي للكلام، والوقوع على ما وراءه!

الناس عند قراءتها لأي نص أو سماعها لأية مقولة، تكون على أشكال ثلاثة.
الشكل الأول، أناس تقع في فهمها قبل شواطيء النص فتغرق دون الفهم، وذلك بعجزهم عن إدراك مقصود الكاتب أو القائل، والتيه عن بلوغ المراد مما هو مكتوب أو مما قيل. فمثلا لو قرأ هؤلاء نصا أو سمعوا أحدا يقول: "إن الوقت الذي تستمتع وأنت تضيعه، ليس وقتا ضائعا"، لعلهم سيقولون: هاه… ما المقصود؟
والشكل الثاني، وهو الغالب، أناس تقع في فهمها على حدود النص تماما. فتصل إلى معناه المباشر، والبعض من هؤلاء ينشغل في تفكيكه وتجزيئه، وتداوله بمعناه المتبادر من الوهلة الأولى، فمثلا لو قرأ أو سمع هؤلاء ذات النص الذي مر أعلاه "إن الوقت الذي تستمتع وأنت تضيعه، ليس وقتا ضائعا"، لقالوا في الغالب: هذا كلام غير صحيح، لأن كثيرا من الذين يقضون أوقاتهم في المتعة واللهو ولساعات طوال يستمتعون بذلك، ولكن وقتهم قد ضاع بلا فائدة في حقيقة الأمر.
هذا الشكل من القراء، هم عشاق تحليل العبارات المكتوبة والمقولة تحليلا نصيا حرفيا مباشرا، وهو الأمر الذي وإن بدا للوهلة الأولى مكتس بمظهر التمحيص والتدقيق، إلا أنه خطير لكونه جامدا جدا.
أقول هذا لأن كل حكمة أو مقولة أو عبرة، ستظهر حتما ناقصة أو ربما خاطئة عند إخضاعها لمثل هذا التحليل الكمي الفيزيائي، كمثل تحليل علماء الكيمياء والفيزياء للمركبات الكيميائية وفحصهم للجوامد. ليس كل من زرع حصد، ولا كل من سار على الدرب وصل، وليس لكل مجتهد نصيب، وليست كل أم أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق، وليس كل قديمك نديمك، وليست كل الأمور بخواتيمها، وليس كل ذي عاهة جبار، وليست وليست وليست... وهذه كلها على سبيل المثل لكيف يمكن نقض وعكس وتسطيح كل حكمة وعبرة ومقولة.
وأما الشكل الثالث وهو النادر، فهم أولئك الذين يقعون على ما وراء النص ويصلون إلى منتهاه، فيبصرون معانيه البعيدة، ودلالاته المترامية الأطراف، متمكنين من قراءة ما لم يكتب، مما قد يصلح في حاشية الشروح، لو كان أحد ما شارحا، وهؤلاء لو مر عليهم ذات النص السابق، لأدركوا أن المراد فيه هو ذلك الوقت الذي يقضيه الإنسان في الفسحة لنفسه والتسرية عنها، لأجل الاستقواء على مواجهة صروف حياته وأعباء دنياه من بعد ذلك، ولأدركوا أن المراد هو أن الإنسان بحاجة ماسة لمثل هذه الاستراحات في مسيرة أيامه حتى تعينه على الاستمرار، وأن الوقت الذي يقضيه فيها ليس وقتا ضائعا، وإنما هو وقت رابح في الحقيقة.
والقاريء المجتهد، غالبا ما يسير في عالم القراءة على هذا السلم، فهو يبدأ قارئا قد لا يصل بإدراكه إلى معاني النصوص، فيقع قبلها. ثم يتطور شيئا ما فيصير نظره قادرا على الوقوع على النصوص بمعانيها المتبادرة فحسب، ولعله يصبح من أولئك المنشغلين بتفكيكها فيزيائيا ومحاسبتها بجمود، ومن ثم بعدها يرتقي ليصير ممن يقعون على ما وراء النصوص مما لم يكتب وإنما أريد، وهؤلاء هم القراء الحقيقيون!

(هذا المقال كنت نشرته سابقا كتدوينات سريعة، واليوم أعدت صياغته والتأليف ما بين أفكاره، وأخرجته بالشكل الذي بين أيديكم)

0 تعليق

أضف تعليق