احتشمي يا مرة!

د. ساجد العبدلي

احتشمي يا مرة!

لا شك عندي على الإطلاق بأن الحجاب فرض على المرأة المسلمة، كما أن كل النساء في عائلتي هن من المحجبات، بل وكثير منهن من المنقبات.
ما أقصده من هذا، أني من بيئة ترى في الحجاب شيئا أساسيا لصيقا بالمرأة البالغة، سواء أكان الأمر نابعا من إيمان ديني، أو من اتباع لأعراف وتقاليد قديمة راسخة.

لكنني، وإن كنت قد قلت هذا كتوضيح للقارئ بقربي من فلسفة الحجاب إيمانا وممارسة، لم أستطع هضم اللائحة الجامعية الأخيرة التي قيل أنها أقرت حول ما يسمى بالحشمة، حيث بلغني أنه قد صار من الواجب على الطالبات أن يلتزمن بها، أثناء تواجدهن في الحرم الجامعي!

أستطيع أن أتفهم النية الطيبة لدى المسؤولين الذين جاؤوا باللائحة، وأنهم بالفعل يتلمسون مشكلة ما على هذا الصدد، وأن هناك من الطالبات من يرتدين ملابس خارجة عن المقبول، وربما الذوق العام، ولن أقول خارجة عن الشرع فنحن جميعا ندرك بأن المعيار في الكويت ليس معيارا شرعيا، لكنني أراهم، مع افتراض حسن نيتهم، قد أوقعوا أنفسهم في حفرة من الرمال المتحركة، ألا وهي "الحشمة"!

الحشمة كمصطلح، هو في نهاية المطاف  مصطلح مطاط، يتمدد ويتقلص، وفقا لظروف مختلفة ومقاييس مختلفة جدا، ليس منها ما هو ثابت على الإطلاق. فما هو محتشم في مقاييسي، قد لا يكون محتشما في مقاييس شخص آخر من بيئة أخرى، أو من خلفية فكرية أو ثقافية أخرى، وربما لا يكون محتشما في مقاييسي أنا نفسي في مرحلة فكرية وثقافية أخرى من عمري! وكذلك ما ليس بمحتشم في مقاييسي، قد يكون محتشما ولا بأس به في مقاييس شخص آخر، من بيئة أخرى أو من خلفية فكرية أو ثقافية أخرى، ولعله سيكون محتشما ومقبولا في مقاييسي أنا نفسي في مرحلة فكرية أو ثقافية أخرى من عمري.

ما أريد الوصول إليه من هذا، هو أن الحشمة أمر يصعب تحديد معاييرها، ولا أدري كيف ستقرر اللائحة الجامعية المذكورة ذلك. هل مثلا سيتم تحديد الألوان المحتشمة من غير المحتشمة، وأن الأسود والبني والأزرق الغامق والرمادي وما جاورها أو لف لفها، هي من الألوان المحتشمة المقبولة، في حين أن الأحمر والأخضر والوردي واللازوردي والقمرديني والبمبي وما كان على شاكلتها، هي جميعا من الألوان غير المحتشمة الضالة المضلة؟! وماذا سيكون حكم الملابس ذات الألوان المختلطة، فهل سيكون الحكم على اللون الغالب؟ فإن غلب الأسود مثلا، أو أي لون من اخوانه التي تم تصنيفها على خانة الاحتشام، على خمسين بالمائة من اللباس، فهو محتشم، وإن نقص عن ذلك، كأن يكتسح الأحمر نسبة كبيرة من مساحات القميص أو التنورة، صار اللباس غير محتشم؟! وهل مثلا، سيكون للحشمة قياسات معينة، كأن لا يتجاوز قصر التنورة حد الركبة الأسفل، وأن تكون الأكمام طويلة بحيث لا تكشف عما فوق المرفقين؟ وأن لا تكون الملابس ضيقة تجسم الأعضاء التي تحتها، أو شفافة تكشف ما تحتها؟! وهل كذلك سيكون لأنواع الأقمشة تحديد وتصنيف، فلا يصح ارتداء الجلديات، ولا بأس في الأقطان والأصواف والحرائر والأنسجة الصناعية؟!

وإن نحن انتهينا من علاج كل هذه المشكلات البلهاء لتحديد معايير مصطلح الحشمة، وأشك في ذلك كثيرا كثيرا، فعلى من ستقع مسؤولية تطبيق اللائحة؟ هل سيكون ذلك على عاتق رجال الأمن الداخلي في الجامعة؟ أم على الأساتذة والمدرسين؟ أم على هيئة أو لجنة سيتم انشاؤها لهذا الغرض، تجول بين الطالبات لترصد المخالفات وتقبض على غير المحتشمات؟!

خلاصة القول بأن هذه اللائحة، هي كحال كثير من اللوائح والقوانين في بلدنا الجميل، قد ولدت ميتة وللأسف، فهي غير واضحة الملامح، ولا راسخة المعايير، ناهيك عن كونها عصية على التطبيق عصيانا كبيرا، ولو حدث وأن تم تطبيقها وتفعيلها حقا، وأشك في ذلك، فإننا سنجد أنفسنا إزاء مشاكل وتصادمات أكاديمية واجتماعية وسياسية لا حصر لها.

هذا الموضوع، أعني موضوع لائحة الحشمة، وما يشابهه من الموضوعات هي موضوعات شائكة صعبة، ومن يطرقها كمن يسير في حقل مليء بالألغام، وغالبا ما سيجد نفسه وقد انتهى إلى الوقوع في انفجار كبير قد يبتر أحد أطرافه، إن لم يود بحياته. وتذكرون جميعا ذلك الصدام العنيف، والضجة الكبرى حول موضوع حجاب الوزيرة والنائبات، وكيف وصل الموضوع إلى المحكمة الدستورية وانتهى في النهاية إلى لا شيء، اللهم إلا الصداع الكبير الذي نشرته أجهزة الإعلام على مدى أيام طويلة.

هذه اللائحة، لا أستبعد أن تؤول إلى صداع مشابه وإزعاج لا طائل من وراءه، لكن ما يشعرني ببعض الاطمئنان، هو ظني، الذي يكاد يصير يقينا، بأن المسألة برمتها ما هي إلا ذر للرماد في العيون.

0 تعليق

أضف تعليق