الديموقراطية كائن حي!

يمكن أن نقول بأن في 24 يناير هو يوم تاريخي في حياة الممارسة السياسية في الكويت لما حصل فيه,,, وقد قال ذلك بالفعل وسيقوله ويردده كثيرون لبعض الوقت، وذلك لأن ما تابعناه يعد سابقة سياسية على مستوى الدول النامية، فبحسب ما نعرف، لم يسبق أن قام برلمان شعبي منتخب في أي من هذه الدول بعزل الحاكم لسبب من الأسباب، وان كانت له الصلاحية من بعد ذلك، لأن يقوم بالموافقة على أو رفض الحاكم الجديد الذي سترشحه الحكومة له.


ونحن وان كنا نعلم ونعترف بأن مآل الأمور كان متجها عندنا وبكل وضوح الى ما حصل، بأي من الصيغتين اللتين كانتا مطروحتين كخيارات دستورية، التنحي أو العزل، الا أننا ننظر وباحترام كبير الى المسار الدستوري الذي حكم هذا المآل وجعل الأطراف كلها لا تملك الا السير فيه.

ان ما حصل يجب أن يجعلنا جميعا حكومة وبرلمانا وشعبا نعيد التفكّر في هذه الوثيقة المهمة (الدستور)، والتي قننت العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم على هذه البلاد, نعيد التفكّر مدركين بأنه ما كان أبدا سيكون لهذا الدستور هذا القبول من الجميع على اختلاف توجهاتهم، لولا أنه استمد شرعيته من الديموقراطية التي جعلت الشعب مصدر السلطات جميعا.
ما حصل في 24 يناير مشهد تاريخي، ونموذج متقدم على صعيد الممارسة السياسية في العالم النامي من دون أدنى شك، لكننا جميعا يجب أن ندرك بأن الديموقراطية ليست 24 يناير فقط، لأنها في عميق فهمنا لها كائن حي، وليست تمثالا جامدا,
ان الديموقراطية ليست صورة فوتوغرافية ثابتة تلتقطها العدسة في لحظة معينة حتى نقول بأن 24 ينايرهو الدليل على وجودها في الكويت، بل ان الديموقراطية فيلم حي لا يتوقف ولا ينتهي شريطه,


لا بد أن ننظر الى 24 يناير على أنه، ومهما كبرت قيمته، سيبقى مشهدا يتيما موصولا بما سبقه من مشاهد وممارسات سياسية منذ أن ظهر دستور هذه البلاد وسيكون موصولا بما سيليه من مشاهد وممارسات كذلك!
لذا، فان كنا نريد أن نفخر فعلا بما حصل، فيجب أن نتذكر بأن ديموقراطيتنا الجميلة، والتي كانت هي ملاذنا بالأمس لإخراجنا من تلك الأزمة العاصفة، أكبر بكثير من مجرد مواد دستورية جامدة نشهرها في لحظات معينة لأسباب معينة، وانما هي ايمان صادق وممارسة حقيقية جادة يجب على الجميع الالتزام بها قولاً وفعلاً.

ان الشيخ صباح والذي سيصبح الأمير المقبل للبلاد من بعد ما مرت تلك الأحداث الاستثنائية، قد التجأ للدستور والى البرلمان للخروج منها, لذلك، فمن المؤمل أن تعي الحكومة المقبلة بأن صمام الأمان لهذه البلاد هو الالتزام الحقيقي بالدستور القائم على الديموقراطية!
يا سادة,,, ان ديموقراطيتنا التي أنقذتنا جميعا بالأمس لا يزال عالقا بها الكثير من الشوائب، ولا تزال بعيدة كل البعد عن الوصول الى السقوف التي يجب لها أن تصلها, ولا يزال هناك الكثير من الاستحقاقات الشعبية التي تستحق النظر الجاد والكثير من المسائل الحيوية والخطيرة التي تتطلب العلاج.


من هذه الأمور فصل ولاية العهد عن رئاسة مجلس الوزراء للنأي بمنصب ولي العهد، والذي سيكون الأمير من بعد ذلك، عن الوقوف في وجه المساءلة البرلمانية عند أي تقصير حكومي، والبرلمان بدوره يجب أن يكون حازما ومسؤولا عن ذلك, وبالطبع، فلن يكون البرلمان كذلك ما لم تكن الآلية التي أفرزت نوابه نقية من كل شائبة، وعليه يجب أن تعدل الدوائر، ويجب أن يوقف مسلسل شراء الأصوات والذمم.


كذلك، فان ديموقراطيتنا لن تكتمل الا بالاصلاح السياسي الذي يصل بنا الى اشهار الأحزاب وتقنين عمل التجمعات السياسية، وصولا الى الحكومة الشعبية المنتخبة.


مرة أخرى أقول انه ما لم يكتمل صرح هذه الديموقراطية التي نتغنى بها جميعا هذه الأيام، فان 24 يناير ومع مرور الأيام سيغدو محض أنشودة فرح يرددها الأطفال أو صورة جميلة معلقة، ولكنها جامدة لا حياة فيها!


• تاريخ الخبر:2006-01-26 - • عدد القراء : 184 اطبع الموضوع

تعليقات القراء

جميع الحقوق محفوظة ©